اسماعيل بن محمد القونوي

358

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

من النيرين أي القمرين الشمس والقمر على الأجرام الكثيفة احتراز عن الأجرام اللطيفة فإن تلك الكيفية لا تكون فائضة من النيرين وإن حاذت لهما مثل الهواء فإنه لا يبصر ما دام لطيفا أي غير ملون والمراد بالأجرام الكثيفة هنا الأجسام التي لها لون وقد يجيء بمعنى غلظة القوام وبمعنى عدم قبول الانفعال والانقسام بسرعة والأجسام اللطيفة « 1 » أضدادها والمحاذية لهما أي المقابلة لهما وكلامه هنا بناء على أن النور أعم من الضوء فكل مادة تحقق فيها الضوء تحقق فيها النور وليس بالعكس فالكيفية النازلة من الشمس هي الضوء ومن القمر النور فلما اشتمل الضوء النور قال كالكيفية النازلة الخ تمثيلا للنور وأما على القول بأن ما بالذات ضوء وما بالعرض نور فجمعه مع النور مشكل لكن هذا القول مسلك الفلاسفة وقد مرضه في أوائل سورة يونس ولما كان النور أعم اختير النور في قوله تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ دون الضوء وأيضا النور مبدأ الضوء في الاعتبار إذ الضوء فرط الإنارة فالنور مبدؤه وعنه يصدر ويتشعب كما أنه تعالى مبدأ الموجودات ويصدر عنه الكائنات ولهذا السر البديع واللطف الرفيع جعل النور من أسمائه تعالى دون الضوء والضياء وإن كان الضوء أبلغ من جهة أنه زيادة في الإنارة لكن ما أفاده النور من أصل النور وزيادته لما عرفت من أنه أعم والمبدئية نور على نور كبدر البدور فاحفظ هذا البيان النفيس في الصدور ثم المراد بالمحاذاة لهما أعم من المحاذاة بالذات أو بالواسطة فيتناول النور الحاصل على وجه الأرض حال الإسفار وعقيب الغروب فإن ذلك النور المسمى بالظل حاصل بسبب مقابلة الهواء المضيء بسبب محاذاته للشمس فالكيفية النازلة من الشمس على وجه الأرض حال الإسفار وعقيب الغروب بواسطة الهواء والأرض حينئذ مقابل للشمس بواسطة الهواء . قوله : ( وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على اللّه تعالى إلا بتقدير مضاف كقولك زيد كرم بمعنى ذو كرم ) لا يصح إطلاقه لأنه كيفية وعرض قائم بالجسم وهو تعالى منزه عن ذلك وهذا مع ظهوره تعرض له تمهيدا لبيان ما هو المراد منه إما بتقدير مضاف أي اللّه ذو نور السماوات أشار إليه بقوله زيد كرم بمعنى ذو كرم أي صاحب النور الذي في السماوات والموجد الظهور وأشار إلى الجامع أيضا بقوله وأصل الظهور الوجود والرابع أن يراد به ما به يدرك أو ما به يدرك أهل السماوات والأرض فح يكون إطلاق النور على ما به الإدراك من قبيل المجاز المرسل فإن النور يلزمه أن يكون سببا للإدراك فذكر الملزوم وأريد به اللازم وليس بكناية عن هذا اللازم لأن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة وحمله على اللّه تعالى يأبى إرادة الحقيقة وقوله ومن ثمة اطلق على الباصرة استشهاد على إطلاق النور على ما به الإدراك لئلا يعاب عليه بأنه قول رمى به جزافا فقوله وهي إذن من سبب يفيضها عليه وهو اللّه تعالى بيان لوجه إطلاق النور بهذا المعنى على اللّه تعالى وما أورده القاضي رحمه اللّه هنا على الوجه المذكور قول اختصره من كلام الإمامين الإمام حجة الإسلام والإمام فخر الدين الرازي رحمهما اللّه .

--> ( 1 ) فاللطيف ما لا لون له ورقة القوام وقبول الانفعال والانقسام فالنسبة بين المعاني للطيف وبينه والكثيف تعلم بالفكر الثاقب والنظر الصائب .